اسماعيل بن محمد القونوي
367
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بالنباهة قامت مقام التصريح به ولكمال شهرته لا تغيب عن ذهن العارف فكان مذكورا حكما لا سيما مع ذكر الإنزال الذي هو المتبادر منه والضمائر في كلام المص كلها راجعة إلى القرآن إلا في قوله إليه فإنه راجع إليه تعالى وفي قوله فيه فإنه راجع إلى الوقت . قوله : ( كما عظمه بأن أسند إنزاله إليه تعالى سبحانه ) ولو مجازا عقليا بنون العظمة فيفيد عظم الإنزال لأن فعل العظيم عظيم وعظم المنزل لازم لعظم الإنزال وهذا التعظيم لما كان جليا قويا جعله مشبها به للتفخيم باضماره لما عرفت من أنه ليس بكلي والتعظيم بهذا الإسناد كلي مطرد وهذا أحسن مما في الكشاف من أنه جعل الإسناد وجها أولا والتفخيم بالاضمار وجها ثانيا ولم يتعرض المص قوله وجعله مختصا به دون غير بعد قوله إن أسند إنزاله لأن الاختصاص غير مفهوم من اللفظ لعدم أداة القصر وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي افادته القصر في الاثبات ليس بمطرد نحو أنا عرفته فالظاهر أنه حمل تقديم المسند إليه وهو اسم أن في أنا على الخبر الفعلي وهو أَنْزَلْناهُ [ القدر : 1 ] على تقوى الحكم والزمخشري حمله على القصر « 1 » ولكل وجهة وهذا القصر حقيقي لا يعتبر فيه رد اعتقاد غيره بل هو في القصر الإضافي كما هو المعلوم من بيانهم وإن جوزه بعضهم في الحقيقي أيضا « 2 » لكنه ليس بمتعارف وإن تحقق في بعض المواضع فهو من خصوص المادة وأما القول بأن المص اعتبر الاختصاص أيضا لكنه اكتفى بالأصل عن ذكر التبع فضعيف لأنه يرفع لأمان ويقع الالتباس فيما اعتبر الاختصاص وفيما لم يعتبر فيه . قوله : ( وعظم الوقت الذي أنزل فيه بقوله : وَما أَدْراكَ [ القدر : 2 ] ) الآية عطف على أن أسند أي كما عظمه بأن عظم الوقت الذي أنزل القرآن فيه وهذا أولى ويحتمل أن يعطف على عظمه أو على فخمه وهذا وجه ثالث من ثلاثة أوجه لبيان تعظيم القرآن ولم يلتفت إلى كون المعنى أنزلناه في فضلها لضعفه ولو اعتبر لا يكون وجها ثالثا لذلك ثم قيل هنا فإن قلت كون الضمير للقرآن وهو من جملته يقتضي عوده إليه ويقتضي أيضا الإخبار بجملة إنا أنزلناه عن نفسها وجوابه أن الضمير راجع إلى مجموع القرآن أو إلى طائفة منه وليس براجع بجزء منه إذ الجزء يغاير الكل وهذا التوهم إنما هو في الكل الإفرادي دون في قولك أنا سعيت في حاجتك وأنا كفيت مهمك وفي قوله الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه رعاية لطيفة هي أنه ذكر فخامة الوقت الذي أنزل فيه القرآن وهو في صدد بيان فخامة القرآن إشعارا بأن الوقت تشرف بشرف نزوله فيه وأن نباهة شأنه سرت إلى الزمان الذي أنزل فيه وهذا بيان لرفعة شأن القرآن على أبلغ وجه لكونه من باب اثبات الشيء بالشاهد وتنوير الدعوى بالبرهان .
--> ( 1 ) وما نقل عن الفاضل اليمني من أنه إنما يصح في الضمير المنفصل وأما المتصل كما في اسم أن هنا فلا يصح فيه ذلك فغير مسلم لأن بيان القوم عام . ( 2 ) حيث قال الحصر في بسم اللّه لرد اعتقاد المشركين حيث بدؤوا باسم اللات والعزى مع أن هذا الحصر حقيقي .